الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
248
شرح ديوان ابن الفارض
[ الاعراب ] « جنبني » : أي صيّرني متجنّبا ، أي متباعدا ، ومنه الأجنبي . و « حبّيك » : أي حبّي إيّاك ، فالمصدر مضاف إليه فاعله الياء ومفعوله الكاف . والوصل خلاف القطع . ومعاشر الرجل : مصاحبه . « وحبّبني » : أي صيّرني محبّا مائلا من المحبة . والعشيرة للرجل بنو أبيه الأدنون ، أو قبيلته . وحبّيك : فاعل جنّبني . ووصل معاشري : مفعوله ، وفاعل حبّبني يعود إلى فاعل جنّبني . وما : مصدرية ظرفية ، أي مدة عيشتي . وقطع عشيرتي : مفعول ومضاف إليه . المعنى : باعدني حبّك عن وصل مخالطي وحبّب إليّ مدة حياتي قطع أقاربي وأهل بيتي وما ذاك إلا أني اشتغلت بك عن كل مخلوق فلا أرى سواك ولا أريد إلا إياك . وقد قلت في ذلك : شغلت بحبّيه عن الخلق جملة * سوى من به شاهدت بعض صفاته وعمّا قليل يعدم الناس كلهم * لديّ فلا أهفو إلى غير ذاته وفي البيت تجنيس التصحيف بين جنّبني وحبّبني ، والطّباق بين الوصل والقطع ، وجناس الاشتقاق بين معاشري وعشيرتي . ( ن ) : إذا تجنّب مواصلة من يعاشره بسبب اشتغال قلبه بمحبتها فكيف لا يتجنّب مواصلة غير المعاشر له وهو مقام العزلة والتجرّد عن الأغيار من أحوال السالكين الأخيار في ابتداء الطريق بمحض العناية والتوفيق . اه . وأبعدني عن أربعي بعد أربع شبابي وعقلي وارتياحي وصحّتي [ الاعراب ] « أبعدني » : صيّرني بعيدا . والأربع بفتح الهمزة وضمّ الباء جمع ربع وهو الدار بعينها حيث كانت . والأربع بفتح الهمزة والباء مرتبة العدد وأبدل منها شبابي وما عطف عليه بدل المفصل من المجمل وترك التاء ، والحال أنها عبارة عن أشياء غالبها مذكر لعدم ذكر معدودها أوّلا معها ، وفي مثل ذلك يجوز ترك التاء على أن كلّا من الأشياء يمكن تأويله بمؤنث أو لتغليب الصحة على البقية روما للاختصار وإلا لاختار التاء . وأبعدني : فعل ومفعول . وعن أربعي : متعلق به . وبعد أربع بالرفع فاعل أبعدني ، وهو مضاف إلى العدد ويجوز في شبابي وما عطف عليه الرفع على القطع أو النصب عليه أيضا ، والمعنى أبعدني عن منازلي بعد أشياء أربعة عني وهي : الشباب والعقل والارتياح والصحة ، وإنما كان بعد هذه الأشياء يبعد الرجل عن منازله لأن من فقدها يصير ذليل النفس هابط المقام ، ولا شك أن الإنسان لا يرضى بالهوان بين